Uncategorized

حُزن لَيلِيّ


حُزن لَيلِيّ


نشر في طنجة الأدبية يوم 19 – 07 – 2020

قرب مطعم البحرية توجد حانة حقيرة، في تلك الحانة تجد جمهورا كبيرا وصيحات ونقاشات سياسية ودينية وضحكا وقهقهات، البعض يمارس الحب هناك والبعض الأخر يتشاتم ويغني بأصوات قبيحة أغاني شعبية. في محيط الحانة يتجول دائما مخمورون لهم وجوه مرعبة ومخيفة، وأطفال شوارع يتسولون بضعة دراهم. في مكان غير بعيد عن الحانة يوجد بائع الخمور والسجائر، إقتنيت ثلاثة علب سجائر من نوع مامبورو لايت و علبة من سجائر كوبا المزورة. أصوات صاخبة تعلو. إنهم عدد من الفلاحين والعمال البروليتارين السكارى يتقاتلون لأجل الحصول على المومسات بأقل ثمن ممكن، أخدت ركن ركين في الزاوية بعيدا عن صراخهم وتفاهتهم، وضعت السماعات في أذني حتى لا يزعجني أحدهم. طلبت من النادل أن يحضر لي أربعين قنينة من البيرة نوع سبيسيال محلية الصنع، ثمنها لا يتعدى خمسة عشر درهما للقنينة الواحدة، بعض السكارى الحمقى يعرضون علي الشراب .. بعد مضايقتهم لي صرخت بكل قواي ربما كنت أحتاج لصراخ وكانت فرصتي الوحيدة ” نوضوا تقودوا عليا مايكعد حدايا حتى واحد اولاد لقحاب ” جلست وحيدة أحتسي القنينة تلو الأخرى في حزن بالغ والدموع تتساقط على جبيني، الدموع لم يلحظها إلا نادل الحانة هشام، لاحظها فقط دون أن يعرف سببها ولو سأل فقط عن سببها لأخبرته أني في حاجة ماسة للبوح.. الشعور بالوحدة يقتلني ليس وليد اللحظة بل هو ناتج عن تركمات نفسية، إجتماعية، عاطفية، عائلية.. الشعور بالوحدة يجعلك تعيش في دوامة لا متناهية، تختار الهروب منها بكل الوسائل المتوفرة لديك، لن أكذب عليكم إن قلت لكم أني سعيدة بوحدتي، بالعكس تنخر قلبي وجسدي وكل قواي العقلية .. وحيدة لما .. ؟؟

لا أعرف …
الشعور بالوحدة جعل خيار الموت البطيء أفضل من العيش في هذه الحياة …
رجل أربعيني يقترب نحوي، يرتدي حذاء أسودا لامعا وبدلة أنيقة لا تليق بهذا المكان، يضع نظارات، يعزو وجهه حزن عتيق أما شعره الأجعد فقد إكتسحه الشيب.
– مرحبا سيدتي
– لست سيدة أحد أغرب عن وجهي
– أسف عن التطفل، ولكن محفظة نقودك مرمية في الأرض وأردت أن انبهك بالأمر
– شكرا لك
– لما تبكين ؟؟
– هذا ليس من شأنك .
_ معذرة عن الإزعاج مجددا، سأضع رقم هاتفي فوق طاولة إن كنت تودين الحديث مع أحدهم أنا رهن إشارتك، سهرة ممتعة، لقد دفعت الحساب لنادل ..
_ لما دفعت من طلب منك ذلك ؟؟
لقد غادر الحانة دون أن يجيب عن السؤال، أخذت رقم هاتفه و وضعته في المحفظة، حملت معطفي وخرجت أيضا.
ها أنا عدت لعاداتي السيئة مجددا، مخمورة أتجول بحذر في شوارع مراكش العاهرة، وأنا مطمئنة لحسن تنكري، حيث أرتدي معطف أسود اللون يشبه كثيرا المعاطف التي يرتدونها الرفاق القاعديين بالجامعة. إضافة إلى تغير ملامح وتفاصيل وجهي بدون وضع مساحق التجميل، أنظر في وجوه المارة من بائعات الهوى وسائقي الطاكسيات المحتالين، ضجيج وصراخ السكارى وسيارات الأمن ورجال الأمن المبتزين، تذكرت ذات لليلة حينما طلب مني رجل أمن مرتشي أن أقدم له خمس مئة درهم بدافع أني في حالة سكر وأنا أقود السيارة، ” السياقة بسرعة مفرطة والسكر العلني البين “، لم يكن بإستطاعتي أن أرفض الأمر وقدمتها له. لقد تجاوزت العشرين خريفا، وأنا أبحث عن وطني وعن ذاتي، ذكريات وظلال أفكاري التي أودت بي إلى جحيم الرفاق.
كنت متعبة وجائعة فدخلت إلى مطعم، جلست على طاولة حديدية في الركن، توجد مساعدات إجتماعيات ينتقلن بين الزبائن لتقديم خدماتهم الجنسية، طلبت صحن الفاصوليا بالدجاج وكأس شاي بالنعناع، أكلت وجبتي وخرجت مسرعة حتى لا أتورط بحماقة يمكن أن تؤدي بي إلى التهلكة.
أشم رائحة التبغ ممزوجة بعطر الرجال، رائحة شبابي الغابر في حضن سيتيني، لقد رميتني في براثن ظلك أيها الغريب، يا ذا الحقارة دخلنا معا في متاهات المعنى، تلك المتاهات التي دفعت ثمنها من عمري، مالا أستطيع اليوم أن أتحمله..، بكيت مجددا !!

انقر
هنا
لقراءة الخبر من مصدره.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق